أدب وثقافة

زمان وأنا صغير . . قصة قصيرة

بقلم / ‏يسري ربيع داود‏

حينما يضيق علينا المكان و الزمان، نريد بإرادتنا الهرب من واقع صاخب وأيام لا نعرف لها لونا ولا رائحة، فينفتح لنا باب الذاكرة لنجد أشياء رائعة مرت في حياتنا لا تحتاج منا إلا أن ننفض عنها ما علق عليها من غبار الزمن وتقلب الأيام، وهناك في أقصى ركن من أركان غرفة الذكريات أراني وأنا انتفض من شدة الضحك، واكتم ضحكة هائلة تزغرد لها أركان البيت، وأخاف أن أبوح بها خشية أن تصافح يدُ أبي وجهي الصغير، أتذكر تلك الليلة التي أقبل فيها أبي للتو من عمله يريد أن يرتاح ولكننا نحن الصغار ما زلنا بطاقاتنا الهائلة التي لم تفرغ بعد…
“والله لو ما سكت انت وهوه لأكَسّر عليكم الخرزانة ” قالها ابي متوعدا!
ولكننا ما زلنا في مزاحنا، وعندما رأيت العفاريت تتنطط أمام ابي أحسست أن الكف واقعٌ على وجهي لامحالة، فخشيت أن تخرج الضحكة التي تملأ بطني وفمي، وتبوح بها عيني التي تتلألأ بدموع الضحكة والخوف معا…
خلاص مش قادر أقسم بالله ، انظر إلى أخي فاجده سينفجر إذ لم يخرج ضحكتة…تكاد تهتز الأرض من تحتي… رحماك يا أبي… اتركني أخرج تلك الضحكة التي ستقتلني…. نظرات الاستعطاف تدور في المكان لعل أمي تتدخل وتطلب منه الصفح….
“أبو فلان العيال حيموتوا…” قالتها أمي و هي مندهشة من منظرنا وشعرت منها ضحكة فرح ٍ بنا…. احسست أن أبي قد بدأ يعيد التفكير وسيرحمنا… يااااااه لقد بدأت اسارير أبي تنفرج حينما وجد ضحكات بريئة تريد أن تخرج للنور لتملأ أرجاء المكان بالفرحة…. إن أبي يبتسم…. هيا اخرجي إلى النور أيتها الضحكة…. ارتميت على اخي واخذته وارتميت به في حضن أبي الذي دمعت عيناه من كثرة الضحك…..
مازلت انظر في ذلك المكان إلى انسدلت ستارة الذكريات لأسمع من خلفها دوي الضحكة، وانغلق المكان لأعاين في مرآتي آثار عمرٍ مضى وقد ألقى على رأسي ووجهي آثارا منه تلك الشعارات البيض التي تردد دوماً :
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما صنع المشيب…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى