أدب وثقافة

فن المقال بين الأمس واليوم

https://nabd.com/anbaaalyoum

كتب- محمد فاروق

بالأمس البعيد فى سبعينات وثمانينات القرن الماضي ظهر مجموعة من الكتاب العظام المبدعين الذين أثروا الحياة الثقافية وخاصة من خلال الصحافة ، وكان المقال هو العنصر الأدبى المميز لقوة وعبقرية الكاتب الصحفى وتميزت هذه الحقبة بمقالات ثابتة كنا ننتظرها وكأننا ننتظر هدية ثمينة أو سعادة عظيمة لما كان لتلك المقالات من أثر ثقافي ووجدانى على نفوسنا.
إذا ألقينا الضوء على بعض هؤلاء الكتاب فلابد أن نضع الأستاذ مصطفى أمين ومقاله الثابت بعنوان ” فكرة ” فى المقدمة حيث اكتسب مصطفى أمين هذا القدر العظيم من خلال خبرات وثقافات وممارسات ربما لا يصل إليها إلا القليل ، فهو مؤسس مؤسسة أخبار اليوم مع الراحل على أمين لذا فهو رائد من رواد العمل الصحفى فى مصر والوطن العربي ، كما أنه رائد من رواد العمل الخيرى والإنساني فى مصر ، فضلاً عن أعماله الوطنية العظيمة وخاصة خلال العدوان الثلاثي على مصر حيث قام بنشر الفظائع التى ارتكتبتها الجيوش المعتدية على مصر فى الصحافة العالمية ، كما أنه كان على صداقة قوية برجال المال والأعمال فى مصر وعلى رأسهم طلعت باشا حرب مؤسس بنك مصر ورائد الإقتصاد المصري الحديث ، وأيضاً كانت له صداقات عديدة من مشاهير الفنانين المصريين والعرب.
وبالطبع اكتساب هذه الخبرات وتنوع المعارف والثقافات قد أثر تأثيراً مباشراً فى كتابات مصطفى أمين حيث اتسمت كتاباته بصفة عامة ومقالاته بصفة خاصة بالمفردات السهلة البسيطة المبنى ولكنها شديدة العمق فى معناها وبعضها ذات ايحاءات سسياسية وفكرية كما أنه كان يمزجها بالقصص الحقيقية أو الخيالية للعبرة والعظة كما أنها تكاد لا تخلوا من اللمسات الإنسانية والخيرية .
وإذا انتقلنا إلى فارس آخر من فرسان الكلمة وصاحب أشهر وأقوى مقال ثابت بعنوان ” مواقف ” فنحن أمام هرم شامخ من أهرامات الصحافة والأدب فى مصر ووطننا العربي إنه الأستاذ أنيس منصور الذى حفظ القرآن الكريم فى طفولته فى احدى قرى محافظة المنصورة ، وعندما جاء إلى القاهرة لإستكمال دراسته الجامعية درس الأدب والفلسفة وكان أنيس منصور يدوام على حضور الصالون الثقافى للأستاذ العقاد مما أكسبه خبرات أدبية كبيرة فى سن مبكرة ، إلا أن إختلاف الأيدلوجية الفكرية بين الأستاذ العقاد وأنيس منصور أدت لحدوث فجوة بينهم فيما بعد ، كما أن أنيس منصور أتقن عدة لغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية مما جعله ينهل من ثقافات تلك اللغات المختلفة ، ويعتبر أنيس منصور أفضل من كتب فى أدب الرحلات فى العصر الحديث وخاصة كتابه الماتع ” حول العالم فى 200 يوم ” حيث عرض الثقافات والعادات المختلفة لكثير من شعوب الأرض ، كما تميز أنيس منصور بقربه من الرئيس الراحل محمد أنور السادات وكتب له بعض خطبه ، أما عن علاقاته بالفن والفنانين فكان يحكيها من خلال مقالاته التى تميزت – نتيجة هذه الخبرات المختلفة – فى خروج مقال تميز كسالفه ببساطة الألفاظ إلا أن دراسة الفلسفة قد أثرت فى كتابات فكانت شديدة العمق والفكر.
وأخيراً نلقي الضوء على فارس من فرسان هذه الحقبة ولكنه كانت له خصائص مختلفة حيث استخدم أسلوب الأدب الساخر ليظهر سلبيات المجتمع فكان القراء ينتظرون مقال ” صندوق الدنيا ” للأستاذ أحمد بهجت للاستمتاع بهذا الأسلوب الفريد فى عرض القضايا الهامة بالمجتمع ، كما كانوا يلتفون حول المذياع لسماع برنامجه الإذاعى ” كلمتين وبس ” الذى كان يقدمه الفنان الراحل فؤاد المهندس إظهاراً لمساوئ الروتين والبيروقراطية فى المكاتب الحكومية فى مصر.
هؤلاء وكثيراً غيرهم هم كتاب المقالات اليومية فى الأمس البعيد ، فإذا قمنا بمقارنة أعمال هؤلاء العظماء بما يتم طرحه اليوم من مقالات للجيل الحالى من الكتاب فهو قمة الظلم للجيل الحالى الذى يعتبر تلامذة هؤلاء الأفذاذ إلا أنهم لم يكتسبوا كل تلك الخبرات المتنوعة والتى يندر أن تتوفر فى أحد الشخصيات – ناهيك عن الكتاب- فلا تجوز المقارنة ولكل جيل رجاله من المبدعين والمخلصين لهذه المهنة الإنسانية العظيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى