أدب وثقافة

لقــاء . . .

قصة قصيرة لـيسري ربيع داود

لقاء

هناك في أقصى الحارة رايتهم.. أطفال يشبهون طفولتي.. هي الحارة العتيقة التي نشأت فيها وترعرعت، وكبِرَت معي أحلامي شيئآ فشيئا.. وكأني بينهم ألعب معهم.. نسيت إلى أين أنا ذاهب.. نسيت أنني راجع بعد غياب طويل .. نسيت حقيبة السفر التي في يدي.. تركتها.. اقتربت منهم.. صمَتَ العالمُ كله من حولي.. كل الدنيا لم تنبس… فقط هم يتكلمون.. رغم ضجيج السيارات.. وثرثرة النساء أمام البيوت، و نداءات الباعة.. وزحام المارّة.. إلا أنني لا أسمع غيرهم.. استمع إليهم في دهشة.. يااااا الله! مجموعات من الأولاد تلعب العابا مختلفة.. مجموعة تركل الكرة.. وأخرى تلعب السبع طوبات.. وثالثة تهرول وتختبيء في لعبة الاستغماية.. لست بحاجة لضجيج السيارات ولا بثرثرة النساء ولا نداءات الباعة.. لا احتاج سوى اجترار الذكريات… ركنت إلى حائط.. أسندت رأسي إليه.. كنت هنا يومآ.. لعبت نفس الألعاب.. هربت.. ضربت.. خسرت.. فزت.. كل النتائج عشتها.. كنت إذا خسرت مباراة تقوم الدنيا ولا تقعد.. ينهدم العالم.. وإذا فزت فكأني حزت الدنيا بحذافيرها.. وإذا انتهيت من لعبي أعود إلى البيت بملابسي المتسخة.. لكنني فائز.. أشعر بأن العالم كله يهنئني.. اصطدم بأمي التي تمطرني بوابل من السباب وتهددني بأنها ستقول لأبي… أحاول الهرب من تصويباتها المتقنة بالنعال فتصيبني إحداها وتخطئني الأخرى.. معركة يومية أكون أنا الخاسر فيها دوماً.. لا أذكر من شريط التوبيخ شيئآ.. فقط جملة واحدة ما زالت تثقب أذني..
“هدِّيت حيلي يا ابني.. ارحمني حرام عليك..”..
تقول الجملة الأخيرة مصحوبة بصوت عالٍ أشبه بالصراخ على الموتى.. ولكنني على كل حال لا أتعلم.. ومتمادٍ في اللعب.. وسط هذا الزخم من ذكريات الماضي وضجيج الحاضر استفقت على اصطدام قويٍّ برأسي… صدمتني الكرة.. ابتسمت لهم رغم خوف من ركلني.. إنه حتما يخاف رِدّةَ فعلي.. فعلت نفس فعلته يوما ما.. ولكن النتيجة معي كانت مختلفة .. ركلتها بقوة فضربت صينية الشاي من يدي جارتنا.. فتكسرت الأكواب.. وسال الشاي على الأرض.. . يومها نشبت حربٌ كلامية بين أمي وسيدة الشاي، وكالعادة انتظرتني علقة ساخنة من أبي.. لا أذكر منها غير وقع كفِّه على وجهي فسقطت أرضا كالمصارع الخائب.. نظرت إلى عيني الصبي فوجدت فيهما مثلما وجدتني يوم وقعة الشاي.. تقدمت إليه.. داعبته.. مررت بأصابعي أداعب خصلات شعره.. وأعطيته الكرة.. وحده هو الذي عرفني.. وجدته يحدّ النظر إليّ بعدما أعطيته الكرة.. نفس ملامحي.. صورتي في الحارة منذ سنوات هي نفس صورة الصبي.. رأيته يعانقني بقوة.. ملابسه المتسخة بشدة والمتعرقة جعلتني أدفعه عني برفق .. كان الصبي مُصِرّاً على احتضاني.. رفقت بحاله، ولم اعبأ بملابسي الرسمية.. شقّ سمعي نداؤه….
” وحشتني يا ابويا…”
نظرت حولي فوجدتها تُربِّتُ على كتفي…
” إنه ولدك الذي تركته في بطن المرحومة أمه وهاجرت ..”
صمت العالم من حولي.. كل الدنيا لم تنبس… رغم ضجيج السيارات، وثرثرة النساء أمام البيوت، و نداءات الباعة.. وطبطبة أمي . فقط هو من يتكلم.. وانا الذي أحتضنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى