أدب وثقافةالمزيد

موكب المودعين

قصة قصيرة يسري ربيع داود

الساعة تقترب من الرابعة عصرا في أحد أيام شهر أغسطس ، الشمس في كبد السماء تتعامد على الرؤوس تلفحها بلهيبها وتتهيأ رويدا رويدا للرحيل… بدا الشاب الثلاثيني صلبا ، أو هكذا أراد أن يبدو أمام ناظري امه وأبيه وابنائه ومودعيه ….. يمسك بيد صغيريه…. كلّ في يد من يديه ،

ينظر إلى الشمس في تحدٍ بالغ … أو رغبة منه في حبس دمعة تستعصي على البقاء في مدمعها … تحين منه التفاتة الى الخلف فيجد أحدهم محدقا النظر تجاهه وتتساقط منه – عفوا -الدموع … جموع الحاضرين بين مسافر ومودع … وبين حبات العرق المتلألئة على جباه الموجودين في موقف (عبود ) بالقاهرة تظهر انهار الدموع تترى على الخدود …. موقف مهيب …

فهل كان الفتى يظن يوما أنه سيفارق أهله واحبابه ؟ ام كان مجرد الظن أنه سيترك ولديه من يديه ضربا من المحال وقد كان يرجوهما من ربه حينما تأخرت زوجته في الحمل والولادة؟ اللحظات والدقائق من ايام الشهد والدموع تلك التي عاشها مع رفيقة دربه وقد تركها تعاني آلام الفراق ..

لقطات تمر أمام ناظريه من ليالي الفكر وصباحات العمل والكد … تبدو أمامه ليلة من ليالي الشتاء بطولها وقد أحس بالجوع فلم يجد ثمن لقمة يهدئ بها من روع عصافير بطنه وبطن زوجته … أحلامه لم تكن على قدر الواقع اللعين الذي انكتب عليه أن يعيشه … طموحه كان أكبر من أن يعيش في حارة من حواري القاهرة العتيقة …

يتذكر أن وقت الفراق يقترب فتسقط الدموع لتغطي على مشهد قديم يمر من أمام عينيه حينما استشعر الظلم من استاذه الجامعي الذي حرمه يوما من حقه في البحث والتدريس الجامعي … لحظات تعيسة دفعته دفعا للسفر وتغيير عتبة حياته لعل ثمن السفر يكون على قدر طموحه وآماله.
“لا بد أن تتماسك يا سعيد من أجل ولديك ومودعيك ..ولا يجب ابدا ان تنهار “

هكذا يكلم سعيد نفسه بصوت عال…. . أحس بلمسة حانية على كتفه … يخلع يده من يد صغيره لعله يوقف سيل الدموع بها ويضع حدا لانهياره … يشرع في رسم ابتسامة زائفة يستقبل بها المُربَت على كتفه .. انها امه … يترك يدي الصغيرين ليحضن بها الحنان كله … يشعرها بأن الموضوع عادي
” امي .. كلها سنة وتلاقيني قدامك زي القرد… بس ادعيلي وخللي بالك من العيلين… دول امانة عندك هومه وامهم … خللي بالك منهم وربيهم زي ما ربتيني بالضبط …. “

تتعانق العيون والدموع …
” ياللا يا سعيد الباص جه “

أنه صوت أخيه يبدو رابط الجأش ..ولكن من يستطيع الثبات في هذا الموقف ؟ نظر تلقاء وجهه فوجد العجوز الستيني واضعا رأسه بين كفيه … وعندما رأى سعيد متجها صوبه رفع رأسه واستجمع قواه وبدا والد سعيد كعادته قويا …

” ياللا يا ابني اتوكل على الله عشان مش باقي غيرك والباص يطلع ” أنَات الوجع والألم وحدها هي التي تعبر عن لحظة الفراق بلا حاجة للدموع …. دموع الصغيرين وتشبثهما بسعيد جعل الجميع في وجعٍ متصل

… وبالكاد انتزعوهما من مقبضهما على قدم ابيهما …. يشير سعيد فقط بيده لهما أنْ اذهبوا حتى لا يراني الولدين على مركب الرحيل … هكذا فقط يستطيع التعبير … صوته راح خلف نحيبه ونشيجه وبالكاد يأخذ نفسه ….

انطلق الجميع وخلفهما نظرة تشيعهم حتى ركبوا سيارتهم وغابوا عن عينه … ابتلع الطريق سيارة العائلة …و بدأ الباص بالحركة وعيناه تذرفان الدموع … فلا يدري إن كان له عوده ام سيكون طُعْمةً للسمك وحيتان البحر …. ضاع سعيد في قلب الطريق وخلفه شمس النهار تلقي بدمائها في الأفق وكأنها تودعه بما يليق من الاحزان….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى