أدب وثقافة

هاني عرفه يكتب “فقه الإختلاف في الإسلام”

كتب/ هاني عرفه

من السنن الربانية التي لن تتغير ولن تتبدل، أن الحق سبحانه خلق عبادهم مختلفين في عقائدهم، ومذاهبهم ومشاربهم، ولوشاء ربك لجمعهم على الهدى، ولكن لحكمة بالغة باين وخالف بين أفكارهم وألوانهم وأشكالهم قال تعالى (ولو شاءربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) سورة هود اية ١١٨ قال بن جرير الطبري (ولو شاءربك لجمع الناس على دين واحد وعبادة واحدة، ولكن بحكمته الباهرة فاوت بين أرزاقهم، ومعتقداتهم وآجالهم.

ولقد انتشرت مؤخراً في مجتمعات المسلمين، مقولات منكرة بغيضة، تسللت إلى عقول المسلمين ما أنزل الله بها من سلطان منها (من لم يكن معي فهو علىّ) و(من لم يشاركني رأي ومذهبي فهو ضدي وعدوي)
وإذا دققت النظر في هذا المنطق السقيم، والفكر العقيم، وجدته في حقيقة أمره دخيلا على تراث الإسلام وعلوم المسلمين، فتراثهم الأصيل الذي لم يخالطه زيف أو تحريف، لم يعرف من قريب أو بعيد هذه الشعارات الكاذبة الرنانة، والدعوات الخبيثة الماكرة التي فرقت بين المرء وزوجة، والأخ وأخية، والصاحب والصديق، بسبب مخالفة في رأي أو مذهب، أو وجهة نظر، حتى الفينا مجتمعات المسلمين تموج بالاضطراب، والتناحر والتصارع، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التلاحم والتعاضد، وبذلك نكون يدا واحدة على من سوانا.

ومن هنا كان لزاما علينا إعادة النظر، ومراجعة العقل والمنطق في هذه القضية، والاستعانة بتراثنا الإسلامي الأصيل، عملا بقوله تعالي (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) سورة النساء.

وإليك أخي القارئ نمازج من اختلاف الرعيل الأول من أئمة الهدى، حتى نسير على دربهم، ونستضئ بنورهم :

اختلاف الشيخين الكريميين أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، حيث كان لكل منهما اتجاهه وطريقته في معالجة الأمور، حتى صارت سجية لهما في جل مواقفها، فنري الصديق رضي الله عنه يغلب جانب الرحمة والرفق، بينما نرى فاروق الأمة يعرف بالشدة والرهبة، وبالرغم من هذا الإختلاف الظاهر، والتنافس في أمور العبادة، ألا نك تلمس التوقير والتقدير والاحترام حتى يقول عمر رضي الله عنه (ليتني شعرة في صدر أبي بكر) رضي الله عنهم جميعا لأن عقولهم نضجت وتربت على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كذلك ترى البون والاختلاف الفكري بين الصحابيين الكريميين عبد الله بن وبن عباس رضي عنهم جميعا، فكان بن عمر يبعد الأطفال عنه، ليس لجفوة في قلبه أو غلظه، وإنما مخافة أن يصاب بشئ من نجاستهم، بينما في المقابل ترى بن عباس يدنيهم ويقبلهم ويقول (إنماهم رياحين نشمها)
أيضا ترى فقه الإختلاف واضحا بين النبيين الكريميين موسى وهارون حتى سجل القرآن هذا المشهد بقوله (قال ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي….. الآيات) ولا تذهب الاذهان بعيدا إنما هو اختلاف وقتي عارض يزول بزوال الموقف، لا يترك في القلب شيئاً من حظوظ النفس والهوى التي افسدت علينا ديننا ودنيانا فطرحتنا في أودية سحيقة من الشقاق والخلاف.
كذلك أيضا لا يعزب عن علم القارئ، ما كان من اختلاف بين أنبياء الله دواود وسليما في قضية الغنم التي نفشت في زرع القوم، فأشار القرآن القرآن الي صواب رأي نبي الله سليمان بقوله تعالي (فهمناها سليمان) إلا أنه أثنى عليهما ونعتهما بالحكمة والنبوة جميعا.

قال يونس الصدفي أحد تلاميذ الشافعي (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، فلقيني وأخذ بيدي وقال (يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا، وإن لم نتفق في مسألة)
ومن هنا مهما اختلفت أفكارنا، وتباينت عقولنا، فلا تتنافر قلوبنا ويتعكر صفوها، قال الشاعر :
إن القلوب اذا تنافر ودها. مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

وفي الختام، نقول ينبغي علينا أن نأتلف ونتعاون وننبذ الخلاف والشقاق خلف الظهور حتى ننال شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم الي الله… الآيات، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى