المزيددنيا ودينمصر

وإن أتاني يمشي أتيته هرولة

بقلم / محمـــــــد الدكــــــرورى

الله عز وجل يحب ان يكون العبد عنده حسن ظن بالله وهو ما يجب علينا جميعا ان نحسن الظن بالله وان يكون عندنا من الايمان الذى نحسن به الظن بالله ونعلم ان الله عز وجل معنا فى كل وقت وفى كل حين وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)
قال أبو بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم، خُلّي بينك وبين المحراب وبين الماء كلما شئت دخلت على الله عزَّ وجلَّ وليس بينك وبينه ترجمان.
والشاهد من ذلك أن من وصل إلى استحضار قرب الله عزَّ وجلَّ منه واطلاعه عليه استأنس بالله عزَّ وجلَّ واطمأن قلبه، ولم تنازعه نفسه في معصية الله والتجرؤ عليه؛ لأن هذه المراقبة يتولد عنها الحياء وهذا الحياء يمنع العبد من مفارقة المعصية وموافقة النفس والشيطان عليها.
وهذا هو الإحسان فى الأنس بالله عزَّ وجلَّ والاطمئنان إليه والفرح بعبوديته.
قال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض، فقلت: كأنك تكره أن تؤتى؟ قال: أجل! فقلت: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس مَنْ ذكرني؟
وقيل لمالك بن مغفل وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أويستوحش مع الله أحد؟! وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقرَّ عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنِس.
فهؤلاء القوم استأنسوا بالله عزَّ وجلَّ واطمأنوا إليه، فلم يحوجهم إلى غيره؛ بل جعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية.
وقد بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم الغاية في ذلك، لأنه أكمل الخلق فما انقطع عن الناس، وما أغلق الأبواب، وما وضع الحجاب، وما سكن الجبال والكهوف ليختلي بالله عزَّ وجلَّ وإنما كان يجالس أصحابه، ويمشي في حاجة الأرملة والمسكين، ومع ذلك كان في أنس دائم بالله عزَّ وجلَّ وكان الحبل ممدودًا بينه وبين الله تبارك وتعالى قال عبدالله بن عمر: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: (ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم).
• وقال صلى الله عليه وسلم: (إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة). وهذا هو الكمال الحقيقي الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يقوم بحقوق العباد على أتم وجه وأكمله، ويقوم بحقوق النفس والأهل كذلك، وهو في ذلك كله لا يفتر لسانه من ذكر الله عزَّ وجلَّ كان إذا أراد الصلاة قال: (أرحنا بها يا بلال). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعَهُ.
ويحدثنا حذيفة رضي الله عنه عن طول قيام النبي صلى الله عليه وسلم في الليل لله رب العالمين فيقول: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مرَّ فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه ..
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) فهكذا حصل للنبي صلى الله عليه وسلم الكمال في كل مراتب العبودية، وهذا ما عجز عنه غيره من البشر. فقد روي عن مسلم بن عابد – عليه رحمة الله – أنه قال: لولا صلاة الجماعة ما خرجتُ من بيتي أبدًا. فأين عيادة المرضى، واتباع الجنائز، والسعي في حوائج المسلمين؟!
والشاهد من ذلك كله أنه ينبغي للعبد أن يكون متصلاً بالله عزَّ وجلَّ ذاكرًا له، مستأنسًا به تبارك وتعالى غير مستوحش من فقد الأنس والجليس. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما سجنه أعداؤه، وأغلقوا عليه الأبواب، كان يكثر من قوله تعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ وكان يقول: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي معي.. أنا قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة، وكان عليه رحمة الله يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.. فاللهم أعنا على طاعتك وأرزقنا جنتك يا رب العالمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى