”الحسد والابتلاء: نور الإيمان في ظلمات التحديات” بقلم د. خليل السيد خليل

في خضم مسيرتنا في هذه الحياة التي تتقاطع فيها الأقدار وتتشابك فيها المصائر، نجد أنفسنا في مواجهة دائمة مع التحديات والمصاعب التي قد تُثقل كاهلنا وتُعكر صفو أرواحنا. يتسلل إلى أذهاننا تساؤلٌ عميق: هل ما يعترينا من بلاءٍ أو معاناة هو مجرد نتاج للحسد الذي يُصيبنا من قبل الآخرين؟ إن هذه الأسئلة تُعيدنا إلى ينابيع الحكمة النبوية التي تُضيء دروبنا وتُهدينا إلى معانٍ أعمق قد تُسهم في فهم تجاربنا ومعاناتنا.
لماذا لا يكون الابتلاء كوسيلة للتكفير ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يُصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه" (رواه البخاري ومسلم). هنا، تتجلى رحمة الله التي تحيط بعباده، حيث كل معاناة تصيبهم تُعتبر بمثابة تنقية للذنوب ووسيلة للتطهير. إن في الألم شرفًا، وفي الابتلاء رفعة، فكم من همومٍ قد أُزيلت بفضل صبرٍ مُحتسب وتوجهٍ صادق نحو الله. هذا الحديث يُظهر لنا أن المعاناة ليست دائمًا نتيجة للحسد، بل قد تكون علامة على حب الله ورغبته في تطهير عباده.
وفي حديث آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء" (رواه الترمذي). يُظهر هذا الحديث بوضوح أن الابتلاء يُعد جزءًا من الحياة، وأنه يأتي مع وعد عظيم من الله بالجزاء. وبالتالي، فإن ما يُصيبنا من ابتلاءات قد يكون اختبارًا لمدى صبرنا وإيماننا، وليس دليلاً على الحسد أو الكراهية.
وفي حديث آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (رواه الترمذي). يُظهر هذا الحديث أن الابتلاء يعتبر علامة على حب الله للعبد، وأن الصبر على المصائب يُعد من أسباب نيل الجزاء العظيم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر أجره" (رواه أحمد). هذا الحديث يُظهر أن الابتلاء قد يكون دلالة على حب الله للعبد، وأن الصبر والشكر هما السبيلان لنيل الأجر العظيم. إن هذه الرؤية تُعزز فكرة أن الابتلاءات ليست فقط نتيجة للحسد، بل هي اختبارات تُظهر قوة الإيمان وصدق النية.
ونحن لا يُمكننا أن نتجاهل حقيقة أن الحسد موجود، وقد ذُكر في الذكر الحكيم بشكل صريح، حيث يقول الله تعالى: "وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" (الفلق: 5). يُشير هذا النص الكريم إلى أن الحسد هو شعور يمكن أن يُصيب قلوب العديد من الأفراد، وقد يؤثر بشكل سلبي على حياتهم ومكانتهم. ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين من أن نُحمّل الآخرين مسؤولية مصائبنا، وأن ندرك أن بعض الابتلاءات تأتي كاختبارات من الله، وليست بالضرورة نتيجة لحسد من الآخرين.
وقد جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين" (حسنه الألباني في صحيح الجامع). يُظهر هذا الحديث الشديد الأهمية كيف يمكن أن تؤثر العين الحاسدة على الأفراد، حتى في ظل تقدير الله وقضائه. إن هذا التذكير يشير إلى أهمية الحذر من مشاعر الحسد، وكيف يمكن أن تكون لها نتائج وخيمة على حياة الناس.
ومن الأحاديث الأخرى التي تُعزز هذا المعنى، ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العين حق" (متفق عليه). ويضيف مسلم: "ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين" هذا الحديث يُظهر بوضوح أن العين ليست مجرد خرافات، بل هي حقيقة تؤثر في حياة الناس.
يتضح من تلك الأحاديث أن الحسد والعين يمكن أن يكون لهما تأثيرات سلبية، ولكن يجب أن نكون حذرين في كيفية فهم هذه الظواهر. ففي الوقت الذي يُقر فيه الإسلام بوجود العين، فإنه يؤكد أيضًا على أهمية الإيمان والاعتماد على الله في مواجهة هذه التحديات.
إن الإيمان بقضاء الله وقدره هو الحصن الذي يحمي العبد من أي أذى قد ينجم عن مشاعر الحسد. لذا، ينبغي على الأفراد أن يتبصروا في كيفية التعامل مع مشاعر الحسد. يجب أن نتذكر أهمية الدعاء والذكر، وقراءة القرآن، كوسائل للحماية من الأذى.
وفي بعض ثقافتنا الريفية، تُنسج أساطير حول الحسد، حيث يُعتقد أن كل مصيبة أو بلاء يُصيب الإنسان هو نتيجة مباشرة لعيون حاسدة. يتناقل الناس قصصًا مثيرة عن عائلات أُصيبت بالمشكلات بسبب نظرات الآخرين، مما يُعزز شعورًا بالعجز أمام قوى خفية. لكن، هل حقًا يُمكن أن نُحمّل الآخرين مسؤولية ما يحدث لنا؟ إن هذه الأفكار قد تُعطل مسيرة الإنسان نحو النجاح وتجعله أسيرًا لمعتقدات تؤدي إلى انكساره وفشله.
كما أن هناك معتقدًا خاطئًا يتمثل في المقولة الشائعة "ما يحسد المال إلا أصحابه" تعبيرًا عن فكرٍ مُلتبس، إذ يُعتقد أن الشخص يمكن أن يَـحسد ماله الشخصي حتى دون أن يدرك. إن هذه الفكرة تُرسخ اعتقادًا بأن المال، بحد ذاته، يُسهم في إثارة الحسد، مما يُزيد من مشاعر القلق والخوف من فقدان ما تحقق. ومع ذلك، فإن الحسد ليس هو العامل الوحيد المؤثر في حياة الأفراد، بل يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى عديدة، مثل التجارب الشخصية والاختيارات الحياتية.
إن مناقشة هذه القضية تتطلب منا وقفة تأمل عميقة، وندرك أن النجاح هو ثمرة جهد وتعب، وأن علينا أن نتقبل ذلك بقلوب مُنفتحة، مُعززين لمشاعر الأخوة والمودة بدلاً من التنافس والغيرة.
لا بُد من الفهم الصحيح للابتلاء !!
عندما يُصاب الإنسان بمصيبة، فإنه من السهل أن يعتقد أن السبب وراء ذلك هو الحسد أو الكره. ولكن من المهم أن نفهم أن هذه المصائب قد تكون امتحانًا من الله أو فرصة للتوبة والتقرب إليه. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 155). تُشير هذه الآية إلى أن الابتلاء جزء من الحياة، وهو اختبار للعباد.
ما الذي يجب علينا فعله للتخلص من التفكير السلبي المرتبط بالحسد؟
يُمكن اتباع بعض الخطوات العملية:
1. تعزيز الإيجابية: يجب على الأفراد ممارسة التفكير الإيجابي والتركيز على النعم التي يمتلكونها. يمكنهم تخصيص وقت يومي للتأمل في الأشياء الجيدة في حياتهم.
2. التثقيف والتوعية: من المهم نشر الوعي حول مفهوم الابتلاء وأهميته في حياة الإنسان، وذلك من خلال المحاضرات والندوات والدروس الدينية. يمكن أن تُساعد هذه الفعاليات في تغيير المفاهيم التقليدية حول الحسد.
3. الدعاء والذكر: يجب على الأفراد اللجوء إلى الله بالدعاء وقراءة القرآن، مما يعزز الثقة بالنفس ويقلل من مشاعر الحسد.
4. التواصل الاجتماعي الإيجابي: يُفضل بناء علاقات صحية ومبنية على الدعم المتبادل، حيث يمكن للأفراد تشجيع بعضهم البعض في مواجهة التحديات بدلاً من الإحساس بالغيرة أو الحسد.
5. البحث عن المساعدة: إذا كان التفكير السلبي يؤثر على حياة الفرد بشكل كبير، فإن التحدث مع مستشار نفسي أو مختص يمكن أن يكون خطوة فعالة للتغلب على هذه المشاعر.
وفي النهاية نخلُص:
أن ما يصيب الإنسان من أذى أو بلاء لا يعني بالضرورة أنه حسد أو كراهية من الآخرين. بل يمكن أن يكون علامة على حب الله ورحمته، ووسيلة لتكفير الذنوب ورفع الدرجات. يجب على المسلم أن يتحلى بالصبر والرضا، وأن يسعى للتقرب إلى الله في أوقات الشدة، مؤمنًا بأن كل شيء يحدث بتقدير الله وحكمته. وفي الوقت نفسه، يجب أن نكون واعين لوجود الحسد ونطلب الحماية من الله منه، مع تأكيد إيماننا بأن الابتلاءات قد تحمل معانٍ أسمى. من المهم أيضًا أن نتجاوز المعتقدات السلبية التي تركز فقط على الحسد، وأن نرى في كل تجربة درسًا وفرصة للنمو الروحي.
فلنجعل من حياتنا سفرًا نحو الإيمان والتفاؤل، بعيدًا عن شبح الحسد الذي لا يفتأ يلاحق الضعفاء، ولنسعى جاهدين لتكون قلوبنا واحدة، مليئة بالمحبة والتسامح، حيث نُحقق معًا النجاح والرخاء.